الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

348

نفحات الولاية

ينبغي أن يكونوا قرة أعين والديهم ومصدر سعادتهم وخيرهم ، يكونون سبب شقائهم وبؤسهم . من جانب آخر تتضح الآثار الوضعية لهذه الأعمال السيئة في عالم الطبيعة والنعم الإلهية ، كما ينزل المطر في الصيف فيدعو إلى الانزعاج وضياع المحاصيل الزراعية بدلًا من نزوله في فصل الشتاء فيؤدي إلى برودة الجو وتلطيفه . أضف إلى ذلك وإثر انقلاب القيم وضياعها يفتح الميدان لحثالة المجتمع فيصولون ويجولون فيه ، الأمر الذي يعني إقصاء الأخيار والصالحين من الساحة ، فهذه العناصر الأربعة تشاهد بوضوح في كل حكومة طاغية مستبدة . ثم واصل كلامه عليه السلام بالإشارة إلى أربع صفات حيث قسم الفئات الاجتماعية آنذاك إلى أربع وقال : « وكان أهل ذلك الزمان ذئاباً ، وسلاطينه سباعاً ، وأوساطه أكالًا ، « 1 » وفقراؤه أمواتاً » . والمراد بأهل ذلك الزمان أعوان الحكام الظلمة وعمالهم وولاتهم . فإذا كان السلطان ذئباً ضارياً ، كان من الطبيعي أن تكون هذه هي صفة بطانته ، كما أنّ من الطبيعي أيضاً أن تكون الطبقة المتوسطة من المجتمع فريسة لهذه الذئاب ، أمّا الفقراء فيعتريهم النسيان وكأنّهم أموات محوا من صفحة التاريخ . وكأنّ الإمام عليه السلام قد طالع عن كثب كافة تفاصيل التاريخ البشري ، فكشف النقاب بهذه العبارات القصيرة عن عمق مميزات الحكومات المستبدة الطاغية . ثم إختتم عليه السلام خطبته بالإشارة إلى سبع ظواهر مقيتة في هذه المجتمعات والتي تمثل قمة البؤس والشقاء . حيث قال سيزول الصدق في ذلك الزمان ويكثر الكذب وظهرت المودة على اللسان في حين انطوت القلوب على البغض والعدوان ، ويتفاخر بالذنب ويندهش من العفة والطهر ،

--> ( 1 ) « أُكال » جمع « آكل » مثل طلاب بمعنى الآكل ، وعلى هذا المعنى يكون معنى الجملة « أوساطُه أكالًا » ، المقصود به الطبقة المتوسطة في ذلك الزمان والذين لاهم لهم غير الأكل والشرب وسلب ونهب الأموال ، وإذا جاءت بصيغة اسم فاعل ، حيث نرى أنها جاءت على صيغة « اسم مفعول ، وهو ما يناسب الجمل التي سبقتها ، فيكون معناها ، بالشكل الذي أوردناه في الشرح أعلاه .